×

 

بقلم: زينب علي البحراني

 

إذا أردت أن تعرف مستوى الإنسانية الحقيقي عند أي أمّة؛ فتش عن تاريخها مع “الحُب”، فإن وجدت له حضورًا صريحًا في أشعارها، وحكاياتها، والتفاصيل اليومية لحياة أفرادها، اعلم أنها أمة راقية مُستحقة للخلود، وإن وجدته مُستترًا، مُطاردًا، مرصودًا للاعتقال والاغتيال قبل أن يولد؛ فاعلم أن فقر الدم الحاد في انسانيتها يجعلها آيلة للفناء والانقراض، لأن الإنسان بلا حُب يغدو آلة للأكل والشرب والنوم والتناسُل، ولا يحق له التباهي على الحيوانات لأن بعضها يتفوّق عليه بمشاعر وعواطف تسمو على نداء الغريزة المرتبطة باحتياجاته البيولوجية، فدون حُبٍ وشعرٍ وفكرٍ ومعرفة يُجسد الكائن البشري مثالاً للحيوان الناطق العاجز عن تذوق أي شكل من أشكال الإبداع أو المساهمة في صنعه، وربما في وصف الأديب الفرنسي أونوريه دي بلزاك الحُب بأنه “شعرُ الحواس” أبلغُ تعريف لدوره في نحت مشاعر الإنسان، وصقلها، وتهذيبها للوصول بها إلى أسمى درجات الوعي والتحضُّر.

عندما نتحدث عن “الحُب” فإننا هنا لا نعني “السلوك الجنسي”، لأن لكل منهما تعريفه الخاص، ودوره، وأهميته في الحياة البشرية، وقد يحدث الفعل الجنسي دون حُب عند الكائنات البشرية غير المتطورة عاطفيًا، ولأن تلك الكائنات تكون غير متطورة لغويًا في الوقت ذاته فإنها تخلط بين الأمور، وتطلق على سلوكها الغريزي البحت مسمى الحُب لأنها لا تعرف تلك المشاعر ولم تُجربها، ومن حُسن الحظ أن قدراتهم العاطفية واللغوية والفكرية المُتدنية تجعلهم غير قادرين على منافسة ذوي المشاعر الأرقى واللغة الأسمى في المجتمعات الإنسانية، فيبقى صوتهم خافتا ووجودهم لا يكاد يرى، وبتكميم أفواههم تحمي الحضارة نفسها من التسطيح والتشويه وهيمنة الأحاسيس المتدنية.

كل الكائنات الحيّة تحتاج الحُب بطريقة أو بأخرى سواء اعترفت بذلك، أو خافت من الاعتراف، أو منعها كبرياؤها عنه، لأن حياتها قائمة على “الاهتمام المُتبادل” أخذًا وعطاء، والكائن البشري يحتاج أشخاصًا مقربين منه يُشاركونه تفاصيل حياته، وعلى رأس كل أولئك المُقربين يحتاج شخصًا من الجنس الآخر يُحبه، يدعمه، ويُسانده، يقبَله كما هو دون تعقيدات كبيرة، ويُشاركه أوقات أفراحه وأحزانه، ويتشارك معه أوقاتًا خاصَّة أو حميمة لا يسمح المُجتمع أو الأفراد بتجاوز حدودها مع من هب ودب بعبثيّة، والمحرومون من تلك النعمة كالمحرومين من نعمة الطعام والشراب واستنشاق الهواء، قد يُحاولون التحايُل على ألمها بشتى المُسكّنات المعنوية المؤقتة؛ كإدمان العمل، أو إغراق الوقت في هواية، أو تربية جيوش من الحيوانات الأليفة، وهي قنوات ناجحة لتصريف بعض تلك المشاعر المُكدسة وآليَّات دفاع قوية لحمايتهم من مخاطر “التسمم العاطفي”، لكنها تبقى “مُسكّنات” وليست “علاجًا” حقيقيًا دائمًا لجُرحٍ يكاد يكون من الصعب إيقاف نزفه إلا بدواء واحد لا يُباع في الصيدليات، إلا أن من يتبعون تلك السُبُل هم أبطال حقيقيون مُقارنة بأولئك الذين يُزعجون الآخرين بتسوّلهم الصريح وغير الصريح للاهتمام، فكل يوم نراهم في عيادة طبيب لأن ريشة عصفور لمست خدهم، أو لأن رمشا من رموش عيونهم وقع على إصبع قدمهم! وكل ساعة تفيض الأرض بدموعهم لأن فلان كان ساهيًا ونسي أن يلقي التحية عليهم، ولأن فلانة كانت مُسافرة ولم تهنئهم بعيد ميلادهم! والنتيجة هي تفاقُم المُشكلة بفرار ما تبقى من الأقرباء والقريبات والأصدقاء والصديقات عنهم، وإغلاق المزيد من أبواب المودة في وجوههم، لأن أولئك الآخرين أيضًا بحاجة لمن يهتم بهم وليسوا متفرّغين للوقوف بمنديل ناعم طوال الليل والنهار تحت جفن شخص يُثقل عليهم باحتياجاته العاطفية لمسح دموعه لحظة هطولها.

أحبِب نفسك، أحببها بغزارة، بكثافة، بأقصى ما تستطيع، لأنك إن لم تُحب نفسك ولم تهتم بها وتغرقها بالتدليل والتدليع الذاتي فلن تجد من يساعدك على حُبها، ولن تملك الطاقة الروحية الكافية لتقديم الحُب والاهتمام لغيرك ومساعدته.. سامِح نفسك، ابتسم لنفسك، اشترِ لها الهدايا، ادعُها إلى عشاءٍ فاخر، قل لها كلمة رقيقة تُنعشها، واعتذر لها بكلمة حلوة تُطيّب بها خاطرها، افعل كل ما يملأ مشاعرها بالرضا كي تُساهم في جعل هذا الكون مكانًا أكثر سلامًا وأقل ألمًا.

 

*تاريخ النشر الورقي:

24 فبراير 2018م- النسخة الورقية من صحيفة “جود نيوز” الكندية.

ما تعليقك ؟

ملاحظة: لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني