×

زينب علي البحراني

من أسوأ ما يُمكن أن يحدث في أي مُجتمع؛ أن تكون “الكلمة العُليا” للأغلبية “الأقل وعيًا”، الأقل معرفةً، الأقل ذوقًا، الأدنى مُستوى على مُختلف الأصعِدة بذريعة ما يُطلق عليه “المُساواة”. ترك زمام الأمور بيد هؤلاء يعني السماح لهم بجذب كل ما هو أعلى إلى مستواهم الأدنى في كل شيء: في أنماط الحياة، الأخلاق، الفن، الإبداع، الثقافة، الاقتصاد، وهؤلاء يُطالبون دائمًا بـ”الحُرية”، لا الحُرية الأصيلة التي تُعتبر حقًا عظيمًا للجميع، بل “حريتهم” هم فقط في مصادرة مُختلف حُريات الأخرين بذرائع دينية أو مُجتمعية تدعم رغبتهم تلك وتقويها.

إن السماح لجميع البشر بالتعليم المجاني في جميع المراحل الدراسية دون ضوابط غير مجموع الدرجات الذي يستطيع أي مخلوق تحقيقه إذا قضى نهاره وليله في حفظ الدروس ظهرًا عن قلب سمح بحدوث “خلطٍ” بين طبقات المُجتمع دون غربة كافية، وسمح لطبقاتٍ دُنيا بعيش وهم أنها تحولت إلى عُليا بنيل شهادةٍ جامعية، ومن هنا تبدأ بذرة الخراب، فالتعليم التلقيني دون ثقافة ودون تهذيب للروح والوجدان لا يصنع مُجتمعًا راقيًا، بل يغرس أوهام المساواة بين فئات لا يمكن المساواة بينها، ويطير بهم في فضاء أحلام يتطلب تحقيقها معجزات شبيهة بالعثور على مصباح علاء الدين أو مغارة علي بابا.

لا شك أن الطموحات السامية ضرورية حين يرافقها الاجتهاد والثقافة والقدرة على الإبداع الفردي، هذا النوع من الطموحات يفسح الطريق للارتقاء التدريجي ولو على مدى أجيال قادمة في الأسرة الواحدة، بحيث يبدأ كل جيل من حيث انتهى الجيل الذي سبقه، لكن التوقعات المتضخمة التي تصور للبعض أن السير في طريق نمطي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى وظيفة من الوظائف الخدمية – مهما كان عنوان التخصص رنانًا كالطب أو الهندسة أو الحقوق – يصعد بهم إلى مصاف الطبقات الراقية هي توقعات ضارة بالمجتمع، لأن هؤلاء ملايين، وكثرتهم تنفي التميز، كما أن هؤلاء الملايين ينقلون عادات وتقاليد البيئات التي جاؤوا منها بتصرفاتهم في تلك المهنة، ولا ينقلون مستوى المهنة ورقيها إلى طبقتهم ليرفعوا أنفسهم ويرفعوها معهم.

حالة الفوضى و”اللخبطة” التي خلطت بين الحابل والنابل من البشر دون استحقاق حقيقي شوَّهت تفاصيل الحياة اليومية، وسمحت للأفكار السوقية، والتصرفات السوقية، والألفاظ السوقية بأن تسود المُجتمع، وتظهر بمظهر “الطابع العام” المُعتاد فيه.

ما تعليقك ؟

ملاحظة: لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني